ابن عجيبة
324
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وذلك فِي بِضْعِ سِنِينَ ، وهو ما بين الثلاث إلى العشر . قال النسفي : قيل : احتربت الروم [ وفارس ] « 1 » ، بين أذرعات وبصرى ، فغلبت فارس الروم ، والملك بفارس ، يومئذ ، كسرى « أبرويز » ، فبلغ الخبر مكة ، فشقّ ذلك على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين ؛ لأنّ فارس مجوس ؛ لا كتاب لهم ، والروم أهل كتاب ، وفرح المشركون [ وشمتوا ] « 2 » ، وقالوا : أنتم والنصارى أهل الكتاب ، ونحن وفارس أمّيّون ، وقد ظهر إخواننا على إخوانكم ، ولنظهرنّ نحن عليكم ، فنزلت الآية . فقال أبو بكر : واللّه ليظهرنّ الروم على فارس بعد بضع سنين ، فقال له أبىّ بن خلف : كذبت ، فناحبه - أي : قامره - على عشر قلائص من كل واحد منهما ، وجعل ثلاث سنين ، فأخبر أبو بكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال - عليه الصلاة والسلام - : « زد في الخطر وأبعد في الأجل » ، فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين ، ومات أبىّ من جرح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم أحد ، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية ، أو : يوم بدر ، فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبىّ ، فقال عليه الصلاة والسلام - : « تصدّق به » « 3 » . وهذه آية بينة على صحة نبوته ، وأن القرآن من عند اللّه ؛ لأنها إنباء عن علم الغيب . وكان ذلك قبل تحريم القمار ، [ عن ] « 4 » قتادة . ومذهب أبي حنيفة ومحمد - رضى اللّه عنهما - : أن العقود الفاسدة ؛ كعقد الربا وغيره ، جائز في دار الحرب بين المسلمين والكفار ، واحتجا بهذه القصة . ه . زاد البيضاوي : وأجيب بأنه كان قبل تحريم القمار . ه . وقرئ : « غلبت » ؛ بالفتح ، و « سيغلبون » بالضم ، ومعناه : أن الروم غلبوا على ريف الشام ، وسيغلبهم المسلمون ، وقد غزاهم المسلمون في السنة التاسعة من نزولها ، وفتحوا بعض بلادهم ، وعلى هذا يكون إضافة الغلب إلى الفاعل . لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ أي : من قبل كل شئ ، ومن بعد كل شئ . أو : من قبل الغلبة وبعدها ، كأنه قيل : من قبل كونهم غالبين - وقبله : هو وقت كونهم مغلوبين - ومن بعد كونهم مغلوبين - وهو وقت كونهم غالبين ، يعنى : أن كونهم مغلوبين أولا ، وغالبين آخرا ، ليس إلا بأمر اللّه وقضائه . وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ « 5 » . وَيَوْمَئِذٍ أي : ويوم تغلب الروم فارس ، ويحل ما وعده اللّه من غلبتهم ، يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ ، وتغلب من له كتاب على من لا كتاب له ، وغيظ من شمت بهم من أهل مكة .
--> ( 1 ) ما بين المعقوفتين ليس في الأصول ، وأثبته من تفسير النسفي . ( 2 ) في الأصول : [ شتموا ] . ( 3 ) أخرجه بنحوه ابن جرير ( 21 / 17 - 18 ) عن عكرمة ، وجاءت القصة بسياقات وروايات متعددة . أخرجها أحمد ( 1 / 276 - 304 ) ، والترمذي في ( تفسير سورة الروم ، 5 / 321 ح 3193 - 3194 ) ، وابن جرير ( 21 / 16 - 18 ) ، والطبراني في الكبير ( 12 / 29 ح 12377 ) والحاكم ( 2 / 410 ) ، وانظر الدر المنثور ( 5 / 289 - 292 ) . ( 4 ) في الأصول [ قال ] ، والمثبت من تفسير النسفي . ( 5 ) من الآية 140 من سورة آل عمران .